أحمد بن محمد المقري التلمساني
367
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ودرج « 1 » إلى رحمة اللّه تعالى سنة خمس وتسعين وخمسمائة : وكان قد استخلف ولده محمدا وقرّر الأمر له ، انتهى . قلت : بهذا وأمثاله تعلم فساد ما زعمه غير واحد أنّ يعقوب المنصور هذا تخلّى عن الملك ، وفرّ زاهدا فيه إلى المشرق ، وأنه دفن بالبقاع ؛ لأن هذه مقالة عامّيّة لا يثبتها علماء المغرب ، وسبب هذه المقالة تولّع العامّة به ، فكذبوا في موته ، وقالوا : إنه ترك الملك ، وحكوا ما شاع إلى الآن وذاع ممّا ليس له أصل . ويرحم اللّه تعالى الإمام العلامة القاضي الشريف الغرناطي شارح الخزرجية ، إذ قال في شرح مقصورة حازم عند ذكره وقعة الأرك ما معناه « 2 » : إن بعض الناس يزعمون أنّ المنصور ترك الملك وذهب إلى المشرق ، وهذا كلام لا يصحّ ، ولا أصل له . انتهى . وقال في « المغرب » : كان أبوه يوسف قد استوزره في حياته ، وتخرّج بين يديه ، وتمرّس ، وهزم الفرنج الهزيمة الفظيعة ، وتولّع بالعلم حتى نفى التقليد وحرق كتب المذاهب ، وقتل على السكر ، انتهى . وحكى لسان الدين الوزير ابن الخطيب في شرح كتابه « رقم الحلل ، في نظم الدول » أنّ المنصور طلب من بعض أعيان دولته رجلين لتأديب ولده يكون أحدهما برّا في عمله « 3 » ، والآخر بحرا في علمه ، فجاءه بشخصين زعم أنهما على وفق مقترح المنصور ، فلمّا اختبرهما لم يجدهما كما وصف ، فكتب إلى الآتي بهما ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 41 ) [ الروم : 41 ] انتهى . وناهيك بهذا دلالة على قوّة فطنته ومعرفته ، رحمه اللّه تعالى . رجع إلى أخبار السرخسي : وقال في رحلته لمّا ذكر السيد أبا الربيع سليمان بن عبد اللّه بن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي « 4 » ، وكان في تلك المدة يلي مدينة سجلماسة وأعمالها ؛ اجتمعت به حين قدم إلى مراكش بعد وفاة المنصور يعقوب لمبايعة ولده محمد ، فرأيته شيخا بهيّ المنظر ، حسن المخبر ، فصيح العبارة باللغتين العربية والبربرية . ومن كلامه في جواب رسالة إلى ملك
--> ( 1 ) درج إلى رحمة اللّه : توفي . ( 2 ) انظر رفع الحجب ج 2 ص 155 . ( 3 ) أراد أنه ثابت ثبوت البر . ( 4 ) أبو الربيع سليمان بن عبد اللّه المتوفى سنة 604 . كان والي بجاية ، وله ديوان شعر . انظر المعجب ص 378 .